نافورة جدة
2010-02-09, 02:49 PM
نصف ساعة تحتالأرض
يقول كاتب القصة :
أي شخص كان قد رآني متسلقاً سورالمقبرة في هذه الساعة من الليل، كان سيقول:
أكيد مجنون، أو أن لديه مصيبة.
والحق أن لديَّ مصيبة، كانت البداية عندما قرأت عن سفيانالثوري رحمه الله:
أنه كان لديه قبراً في منـزله يرقد فيه وإذا ما رقد فيهنادى: (رب ارجعون .. رب ارجعون )
ثم يقوم منتفضاً ويقول: ها أنت قدرجعت فماذا أنت فاعل؟
حدث أن فاتتني صلاة الفجر، وهي صلاةمن كان يحافظ عليها، ثم فاتـته فسيحس بضيقة شديدة طوال اليوم
عندذلك.
تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني،فقلت لابد وأن في الأمر شيء، ثم تكررت للمرة الثالثة على التوالي؛ هنا كان لابدمن الوقوف مع النفس وقفة حازمة لتأديبها حتى لا تركن لمثل هذه الأمور فتروح بي إلىالنار قررت أن أدخل القبر حتى أؤدبها!
ولابد أن ترتدع وأن تعلم أن هذا هومنـزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله. وكل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً وجلستأسوف في هذا الأمر حتى فاتـتني صلاة الفجر مرةأخرى..
حينها قلت: كفى. وأقسمت أن يكون الأمر هذهالليلة.
ذهبت بعد منتصف الليل، حتى لا يرانيأحد،
وتفكرت: هل أدخلمن الباب ؟
حينها سأوقظ حارس المقبرة!
أو لعله غير موجود! أم أتسور السور ؟
إن أوقظته لعله يقول لي تعال فيالغد،
أو حتى يمنعني، وحينها يضيع قسمي،
فقررت أن أتسور السور ..
رفعت ثوبي وتلثمت بشماغي واستعنتبالله وصعدت، برغم أنني دخلت هذه المقبرة كثيراً كمشيع، إلا أنني أحسست أنني أراهالأول مرة.
ورغم أنها كانت ليلة مقمرة، إلاأنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سواداً تلك الليلة، كانت ظلمة حالكة، سكونرهيب.
هذا هو صمت القبور بحق، تأملتها كثيراً من أعلى السور، واستـنشقتهوائها، نعم إنها رائحة القبور، أميزها عن ألف رائحة، رائحة الحنوط، رائحة بهاطعم الموت الصافي.
وجلست أتفكر للحظات مرتكالسنين ...
إيه أيتها القبور، ماأشد صمتك وما أشد ما تخفينه، ضحك ونعيم، وصراخ وعذاب أليم، ماذا سيقول لي أهلكلو حدثتهم؟
لعلهم سيقولون قولة الحبيب صلى اللهعليه وآله وسلم: ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ).
قررت أن أهبط حتى لا يراني أحد في هذهالحالة،
فلو رآني أحد فإماسيقول أنني مجنون وإما أن يقول لديه مصيبة، وأي مصيبة بعد ضياع صلاة الفجر عدةمرات.
هبطت داخل المقبرة، وأحسست حينهابرجفة في القلب، والتصقت بالجدار ولا أدري لأحتمي من ماذا؟
عللت ذلك لنفسي بأنه خشية من المرورفوق القبور وانتهاكها، أنا لست جباناً، لكنني شعرت بالخوف حقا!نظرت إلى الناحيةالشرقية والتي بها القبور المفتوحة والتي تنتظر ساكنيها.
إنها أشد بقعالمقبرة سواداً، وكأنها تناديني،
مشتاقة إليَّ: متى ستكونفيَّ؟
أمشي محاذراً بين القبور، وكلماتجاوزت قبراً
تساءلت أشقي أم سعيد؟
شقي بسبب ماذا؟
أضيّع الصلاة ؟
أم كان من أهل الغناء والطرب؟
أم كان من أهل الزنى؟
لعل من تجاوزت قبره الآن كان يظن أنهأشد أهل الأرض قوة، وأن شبابه لن يفنى؟
وأنه لن يموت كمن مات قبله؟
أم أنه كانيقول:
ما زال في العمر بقية، سبحان من قهر الخلقبالموت
أبصرت الممر، حتى إذاوصلت إليه، ووضعت قدمي عليه، أسرعت نبضات قلبي فالقبور يميني ويساري، وأنا ارفعنظري إلى الناحية الشرقية،
ثم بدأت أولى خطواتي، بدت وكأنها دهر،
أين سرعة قدمي؟
ما أثقلهما الآن، تمنيت أن تطول المسافة ولا تنتهيابداً، لأنني أعلم ما ينتظرنيهناك.
اعلم، فقد رأيت القبر كثيرا، ولكن هذهالمرة مختلفة تماماً أفكار عجيبة، أكاد أسمع همهمة خلف أذني،
نعم، أسمع همهمة جليّة، وكأن شخصاً يتنفس خلف أذني، خفتأن أنظر خلفي، خفت أن أرى أشخاصاً يلوحون إليّ من بعيد، خيالات سوداء تعجب منالقادم في هذا الوقت، بالتأكيد أنها وسوسة من الشيطان، لا يهمني شيء طالما أنني قدصليت العشاء في جماعه.
أخيراً، أبصرت القبور المفتوحة، أقسمللمرة الثانية أنني ما رأيت أشد منها سواداً، كيف أتتني الجرأة حتى أصل بخطواتيإلى هنا ؟
بل كيف سأنزل في هذا القبر؟
وأي شئ ينتظرني في الأسفل؟
فكرت بالإكتفاء بالوقوف وأن أصوم ثلاثة أيام تكفيراًلقسمي.
ولكن لا .....
لن أصل إلى هنا ثم أقف، يجب أنأكمل، ولكن لن أنزل إلى القبر مباشرة، بل سأجلس خارجه قليلاً حتى تأنس نفسي.
ما أشد ظلمته، وماأشد ضيقه، كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياضالجنة؟ سبحانالله.
يبدو أن الجو قد إزداد برودة، أمهي قشعريرة في جسدي من هذا المنظر؟
هل هذا صوت الريح؟ ليس ريحاً، لا أرى ذرة غبار فيالهواء، هل هي وسوسة أخرى؟
استعذت بالله من الشيطان الرجيم، ثمأنزلت الشماغ ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي أمام صدري أتأمل هذا المشهدالعجيب، إنه المكان الذي لا مفر منه أبداً، سبحان الله، نسعى لكي نحصل على كلشيء، وهذه هي النهاية: لاشئ ..
كم تنازعنا في الدنيا، اغتبنا، تركناالصلاة، آثرنا الغناء على القرآن، والكارثة أننا نعلم أن هذا مصيرنا، وقد حذّرناالله منه ورغم ذلك نتجاهل.
أشحت بوجهي ناحية القبور وناديتهم بصوت خافت، وكأني خفت أن يرد عليّأحدهم: يا أهل القبور،
مالكم؟
أين أصواتكم؟
أين أبناؤكم عنكم اليوم؟
أين أموالكم؟
أين وأين؟
كيف هو الحساب؟
أخبروني عن ضمة القبر، أتكسر الأضلاع؟
أخبروني عن منكر ونكير،
أخبروني عن حالكم معالدود!
سبحان الله، نستاء إذا قدم لنا أهلناطعام بارد أو لا يوافق شهيتنا، واليوم .. نحن الطعام،
لابد من النزول إلىالقبر.
قمت وتوكلت على الله، ونزلت برجلياليمين، وافترشت شماغي، ووضعت رأسي وأنا أفكر، ماذا لو انهال عليَّ التراب فجأة؟
ماذا لو ضُم القبر عليَّ مرة واحدة؟
نمت على ظهري وأغلقت عينيَّ حتى تهدأضربات قلبي، حتى تخف هذه الرجفة التي في الجسد، ما أشده من موقف وأنا حي.
فكيف سيكون عند الموت؟
فكرت أن أنظر إلى اللحد، هو بجانبي،والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة، ياللعجب!
رغم أنه مسدود من الداخل إلا أنني أشعر بتيار من الهواءالبارد يأتي منه! فهل هو هواء بارد أم هي برودة الخوف؟
خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظرانإليَّ بقسوة.
أو أن أرى وجهاً شاحباً لرجل تكسوه علامات الموت ناظراًإلى الأعلى متجاهلني تماماً، حينها قررت أن لا أنظر إلى اللحد .
ليس بي من الشجاعه أن أخاطر وأرى أياً منهذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالياً، ولكن تكفي هذه المخاوف حتى أمتنع تماماً عنالنظر إليه ..
تذكرت قول رسول الله صلىالله عليه وسلم وهو يحتضر لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات
تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي.
وتخيلت صراخ أهلي عالياًمن حولي:
أين الطبيب؟ أين الطبيب؟
فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إنكنتم صادقين
تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون: لاإله إلا الله،
تخيلتهم يمشون بي سريعاًإلى القبر،
وتخيلت أحب أصدقائي إليوهو يسارع لأن يكون أول من ينـزل إلى القبر،
تخيلته يضع يديه تحترأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع، يصرخ فيهم: جهزواالطوب.
وتخيلتأحمد يجري ممسكاً إبريقاً منالماء يناولهم إياه بعدما حثوا عليَّ التراب،
تخيلت الكل يرش الماءعلى قبري،
تخيلت شيخنا يصيح فيهم: ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل، ادعوا لأخيكم فإنه الآنيسأل
ثم رحلوا، وتركوني فرداً وحيداً،
تذكرت قول الله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم نعم ... صدق الله العلي العظيم
تركت زوجتي، فارقتأبنائي، تخلـيّت عن مالي، أو هو تخلىعني
تخيّلت كأن ملائكةالعذاب حين رأوا النعش قادماً، ظهروا بأصوات مفزعة، وأشكال مخيفة، ينادي بعضهمبعضاً: أهو العبد العاصي؟
فيقول الآخر: نعم.
فيقال: أمشيع متروك أممحمول ليس له مفر؟
فيجيبه الآخر: بل محمولإلينا ليس له مفر.
فينادى: هلموا إليه حتىيعلم أن الله عزيز ذو انتقام.
رأيتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنفقائلين:
ما غرك بربك الكريم؟
ما غرك بربك الكريم حتىتنام عن الفريضة ..
ما الذي خدعك حتى عصيتالواحد القهار؟
أهي الدنيا؟ أما كنتتعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت!
أهي الشهوات؟ أما تعلمأنها إلى زوال؟ وقد زالت!
أم هو الشيطان؟ أما علمتأنه لك عدو مبين؟
أمثلك يعصى الجبار،والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته، لا نجاة لك منَّا اليوم،
اصرخ ليس لصراخكمجيب.
فجلست اصرخ رب ارجعون، رب ارجعون.
وكأني بصوت يهز القبروالفضاء، يملأني يئساً يقول: كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوميبعثون
بكيت ماشاء الله أن أبكي،
ثم قلت: الحمدلله ربالعالمين، مازال هناك وقت للتوبة، استغفر الله العظيم وأتوب إليه
ثم قمت مكسوراً، وقدعرفت قدري، وبان لي ضعفي، أخذت شماغي وأزلت عنه ما بقى من تراب القبر، وعدت وأناأردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وآله وسلم:
عش ما شئت فإنك ميت،
وأحبب من شئت فإنكمفارقه،
واعمل ما شئت فإنك مجزيبه
يقول كاتب القصة :
أي شخص كان قد رآني متسلقاً سورالمقبرة في هذه الساعة من الليل، كان سيقول:
أكيد مجنون، أو أن لديه مصيبة.
والحق أن لديَّ مصيبة، كانت البداية عندما قرأت عن سفيانالثوري رحمه الله:
أنه كان لديه قبراً في منـزله يرقد فيه وإذا ما رقد فيهنادى: (رب ارجعون .. رب ارجعون )
ثم يقوم منتفضاً ويقول: ها أنت قدرجعت فماذا أنت فاعل؟
حدث أن فاتتني صلاة الفجر، وهي صلاةمن كان يحافظ عليها، ثم فاتـته فسيحس بضيقة شديدة طوال اليوم
عندذلك.
تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني،فقلت لابد وأن في الأمر شيء، ثم تكررت للمرة الثالثة على التوالي؛ هنا كان لابدمن الوقوف مع النفس وقفة حازمة لتأديبها حتى لا تركن لمثل هذه الأمور فتروح بي إلىالنار قررت أن أدخل القبر حتى أؤدبها!
ولابد أن ترتدع وأن تعلم أن هذا هومنـزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله. وكل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً وجلستأسوف في هذا الأمر حتى فاتـتني صلاة الفجر مرةأخرى..
حينها قلت: كفى. وأقسمت أن يكون الأمر هذهالليلة.
ذهبت بعد منتصف الليل، حتى لا يرانيأحد،
وتفكرت: هل أدخلمن الباب ؟
حينها سأوقظ حارس المقبرة!
أو لعله غير موجود! أم أتسور السور ؟
إن أوقظته لعله يقول لي تعال فيالغد،
أو حتى يمنعني، وحينها يضيع قسمي،
فقررت أن أتسور السور ..
رفعت ثوبي وتلثمت بشماغي واستعنتبالله وصعدت، برغم أنني دخلت هذه المقبرة كثيراً كمشيع، إلا أنني أحسست أنني أراهالأول مرة.
ورغم أنها كانت ليلة مقمرة، إلاأنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سواداً تلك الليلة، كانت ظلمة حالكة، سكونرهيب.
هذا هو صمت القبور بحق، تأملتها كثيراً من أعلى السور، واستـنشقتهوائها، نعم إنها رائحة القبور، أميزها عن ألف رائحة، رائحة الحنوط، رائحة بهاطعم الموت الصافي.
وجلست أتفكر للحظات مرتكالسنين ...
إيه أيتها القبور، ماأشد صمتك وما أشد ما تخفينه، ضحك ونعيم، وصراخ وعذاب أليم، ماذا سيقول لي أهلكلو حدثتهم؟
لعلهم سيقولون قولة الحبيب صلى اللهعليه وآله وسلم: ( الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم ).
قررت أن أهبط حتى لا يراني أحد في هذهالحالة،
فلو رآني أحد فإماسيقول أنني مجنون وإما أن يقول لديه مصيبة، وأي مصيبة بعد ضياع صلاة الفجر عدةمرات.
هبطت داخل المقبرة، وأحسست حينهابرجفة في القلب، والتصقت بالجدار ولا أدري لأحتمي من ماذا؟
عللت ذلك لنفسي بأنه خشية من المرورفوق القبور وانتهاكها، أنا لست جباناً، لكنني شعرت بالخوف حقا!نظرت إلى الناحيةالشرقية والتي بها القبور المفتوحة والتي تنتظر ساكنيها.
إنها أشد بقعالمقبرة سواداً، وكأنها تناديني،
مشتاقة إليَّ: متى ستكونفيَّ؟
أمشي محاذراً بين القبور، وكلماتجاوزت قبراً
تساءلت أشقي أم سعيد؟
شقي بسبب ماذا؟
أضيّع الصلاة ؟
أم كان من أهل الغناء والطرب؟
أم كان من أهل الزنى؟
لعل من تجاوزت قبره الآن كان يظن أنهأشد أهل الأرض قوة، وأن شبابه لن يفنى؟
وأنه لن يموت كمن مات قبله؟
أم أنه كانيقول:
ما زال في العمر بقية، سبحان من قهر الخلقبالموت
أبصرت الممر، حتى إذاوصلت إليه، ووضعت قدمي عليه، أسرعت نبضات قلبي فالقبور يميني ويساري، وأنا ارفعنظري إلى الناحية الشرقية،
ثم بدأت أولى خطواتي، بدت وكأنها دهر،
أين سرعة قدمي؟
ما أثقلهما الآن، تمنيت أن تطول المسافة ولا تنتهيابداً، لأنني أعلم ما ينتظرنيهناك.
اعلم، فقد رأيت القبر كثيرا، ولكن هذهالمرة مختلفة تماماً أفكار عجيبة، أكاد أسمع همهمة خلف أذني،
نعم، أسمع همهمة جليّة، وكأن شخصاً يتنفس خلف أذني، خفتأن أنظر خلفي، خفت أن أرى أشخاصاً يلوحون إليّ من بعيد، خيالات سوداء تعجب منالقادم في هذا الوقت، بالتأكيد أنها وسوسة من الشيطان، لا يهمني شيء طالما أنني قدصليت العشاء في جماعه.
أخيراً، أبصرت القبور المفتوحة، أقسمللمرة الثانية أنني ما رأيت أشد منها سواداً، كيف أتتني الجرأة حتى أصل بخطواتيإلى هنا ؟
بل كيف سأنزل في هذا القبر؟
وأي شئ ينتظرني في الأسفل؟
فكرت بالإكتفاء بالوقوف وأن أصوم ثلاثة أيام تكفيراًلقسمي.
ولكن لا .....
لن أصل إلى هنا ثم أقف، يجب أنأكمل، ولكن لن أنزل إلى القبر مباشرة، بل سأجلس خارجه قليلاً حتى تأنس نفسي.
ما أشد ظلمته، وماأشد ضيقه، كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياضالجنة؟ سبحانالله.
يبدو أن الجو قد إزداد برودة، أمهي قشعريرة في جسدي من هذا المنظر؟
هل هذا صوت الريح؟ ليس ريحاً، لا أرى ذرة غبار فيالهواء، هل هي وسوسة أخرى؟
استعذت بالله من الشيطان الرجيم، ثمأنزلت الشماغ ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي أمام صدري أتأمل هذا المشهدالعجيب، إنه المكان الذي لا مفر منه أبداً، سبحان الله، نسعى لكي نحصل على كلشيء، وهذه هي النهاية: لاشئ ..
كم تنازعنا في الدنيا، اغتبنا، تركناالصلاة، آثرنا الغناء على القرآن، والكارثة أننا نعلم أن هذا مصيرنا، وقد حذّرناالله منه ورغم ذلك نتجاهل.
أشحت بوجهي ناحية القبور وناديتهم بصوت خافت، وكأني خفت أن يرد عليّأحدهم: يا أهل القبور،
مالكم؟
أين أصواتكم؟
أين أبناؤكم عنكم اليوم؟
أين أموالكم؟
أين وأين؟
كيف هو الحساب؟
أخبروني عن ضمة القبر، أتكسر الأضلاع؟
أخبروني عن منكر ونكير،
أخبروني عن حالكم معالدود!
سبحان الله، نستاء إذا قدم لنا أهلناطعام بارد أو لا يوافق شهيتنا، واليوم .. نحن الطعام،
لابد من النزول إلىالقبر.
قمت وتوكلت على الله، ونزلت برجلياليمين، وافترشت شماغي، ووضعت رأسي وأنا أفكر، ماذا لو انهال عليَّ التراب فجأة؟
ماذا لو ضُم القبر عليَّ مرة واحدة؟
نمت على ظهري وأغلقت عينيَّ حتى تهدأضربات قلبي، حتى تخف هذه الرجفة التي في الجسد، ما أشده من موقف وأنا حي.
فكيف سيكون عند الموت؟
فكرت أن أنظر إلى اللحد، هو بجانبي،والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة، ياللعجب!
رغم أنه مسدود من الداخل إلا أنني أشعر بتيار من الهواءالبارد يأتي منه! فهل هو هواء بارد أم هي برودة الخوف؟
خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظرانإليَّ بقسوة.
أو أن أرى وجهاً شاحباً لرجل تكسوه علامات الموت ناظراًإلى الأعلى متجاهلني تماماً، حينها قررت أن لا أنظر إلى اللحد .
ليس بي من الشجاعه أن أخاطر وأرى أياً منهذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالياً، ولكن تكفي هذه المخاوف حتى أمتنع تماماً عنالنظر إليه ..
تذكرت قول رسول الله صلىالله عليه وسلم وهو يحتضر لا إله إلا الله .. إن للموت سكرات
تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي.
وتخيلت صراخ أهلي عالياًمن حولي:
أين الطبيب؟ أين الطبيب؟
فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إنكنتم صادقين
تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون: لاإله إلا الله،
تخيلتهم يمشون بي سريعاًإلى القبر،
وتخيلت أحب أصدقائي إليوهو يسارع لأن يكون أول من ينـزل إلى القبر،
تخيلته يضع يديه تحترأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع، يصرخ فيهم: جهزواالطوب.
وتخيلتأحمد يجري ممسكاً إبريقاً منالماء يناولهم إياه بعدما حثوا عليَّ التراب،
تخيلت الكل يرش الماءعلى قبري،
تخيلت شيخنا يصيح فيهم: ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل، ادعوا لأخيكم فإنه الآنيسأل
ثم رحلوا، وتركوني فرداً وحيداً،
تذكرت قول الله تعالى: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم نعم ... صدق الله العلي العظيم
تركت زوجتي، فارقتأبنائي، تخلـيّت عن مالي، أو هو تخلىعني
تخيّلت كأن ملائكةالعذاب حين رأوا النعش قادماً، ظهروا بأصوات مفزعة، وأشكال مخيفة، ينادي بعضهمبعضاً: أهو العبد العاصي؟
فيقول الآخر: نعم.
فيقال: أمشيع متروك أممحمول ليس له مفر؟
فيجيبه الآخر: بل محمولإلينا ليس له مفر.
فينادى: هلموا إليه حتىيعلم أن الله عزيز ذو انتقام.
رأيتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنفقائلين:
ما غرك بربك الكريم؟
ما غرك بربك الكريم حتىتنام عن الفريضة ..
ما الذي خدعك حتى عصيتالواحد القهار؟
أهي الدنيا؟ أما كنتتعلم أنها دار فناء؟ وقد فنيت!
أهي الشهوات؟ أما تعلمأنها إلى زوال؟ وقد زالت!
أم هو الشيطان؟ أما علمتأنه لك عدو مبين؟
أمثلك يعصى الجبار،والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته، لا نجاة لك منَّا اليوم،
اصرخ ليس لصراخكمجيب.
فجلست اصرخ رب ارجعون، رب ارجعون.
وكأني بصوت يهز القبروالفضاء، يملأني يئساً يقول: كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوميبعثون
بكيت ماشاء الله أن أبكي،
ثم قلت: الحمدلله ربالعالمين، مازال هناك وقت للتوبة، استغفر الله العظيم وأتوب إليه
ثم قمت مكسوراً، وقدعرفت قدري، وبان لي ضعفي، أخذت شماغي وأزلت عنه ما بقى من تراب القبر، وعدت وأناأردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وآله وسلم:
عش ما شئت فإنك ميت،
وأحبب من شئت فإنكمفارقه،
واعمل ما شئت فإنك مجزيبه